ملتقى طلاب الدراسات العليا بقسم الإدارة

ملتقى طلاب الدراسات العليا بقسم الإدارة والتخطيط التربوي بكلية التربية - جامعة صنعاء.

خبر عاجل ... من الآن يمكنكم متابعة أخبار الملتقى على الفيس بوك http://www.facebook.com/home.php?sk=group_114469868620673&ap=1

ندعو جميع الزملاء في الدراسات العليا بجامعة صنعاء .... إلى التعاون معنا لجعل هذا الملتقى يزخر بكل جديد ، ولأن يكون ملاذاً لكل طالب علم ... فهذا الملتقى لا يخص قسم الإدارة فقط ، إنما هو ملك كل طالب علم ..

خبر عاجل ... من الآن يمكنكم متابعة أخبار الملتقى على الفيس بوك http://www.facebook.com/home.php?sk=group_114469868620673&ap=1

تتشرف إدارة ملتقى طلاب الدراسات العليا بقسم الإدارة والتخطيط التربوي وجميع أعضائه بتهنئة كلاً من الأستاذ/ ناصر سعيد ، والأستاذ/ الدعيس، والأستاذ/ المخلافي بمناسبة تعينهم  مشرفين على الملتقى ...

المواضيع الأخيرة

» تقويم أداء موجهي اللغة العربية بأمانة العاصمة في ضوء كفايات التوجيه التربوي
الإثنين أغسطس 19, 2013 11:48 pm من طرف Admin

» التدريب الالكتروني
الخميس ديسمبر 27, 2012 4:49 am من طرف ناصر سعيد

» مدى توافق النشاط الأكاديمي لأعضاء هيئة التدريس بجامعة صنعاء مع معايير الجودة
السبت ديسمبر 15, 2012 10:57 pm من طرف Admin

» تلخيص الكتاب القيادة الإدارية العليا في المنظمات الحكومية
الجمعة نوفمبر 02, 2012 12:42 am من طرف ناصر سعيد

» اسباب تسرب ابناء الجماعات المهمشة (( الاخدام )) من التعليم بحث نوعي((كيفي)).
الأربعاء أكتوبر 24, 2012 2:33 am من طرف ناصر سعيد

» الفساد الاداري في الجامعات اليمنية يوسفسلمان احمد الريمي
الثلاثاء أكتوبر 23, 2012 10:33 pm من طرف ناصر سعيد

» تقييم فعالية أداء عمداء الكليات في جامعة صنعاء من وجهة نظر أعضاء هيئة التدريس
السبت يونيو 30, 2012 5:50 am من طرف Admin

» السلوك القيادي لمديري مراكز التعليم والتدريب المهني كما يدركه المدرسون وعلاقته باتجاهاتهم نحو مهنة التدريس في اليمن .
الخميس يونيو 28, 2012 6:13 am من طرف Admin

» العوامل المؤثرة في فعالية الأداء الإداري لقيادات مكاتب التربية بمديريات محافظة صنعاء
الخميس يونيو 28, 2012 6:08 am من طرف Admin

التبادل الاعلاني


    العلاقة والتأثير بين قيم الفرد والمنظمات في بناء أخلاقيات المهنة من منظور الفكر المعاصر والإسلامي

    شاطر
    avatar
    ناصر سعيد

    عدد المساهمات : 20
    تاريخ التسجيل : 07/01/2011

    العلاقة والتأثير بين قيم الفرد والمنظمات في بناء أخلاقيات المهنة من منظور الفكر المعاصر والإسلامي

    مُساهمة من طرف ناصر سعيد في الأربعاء يناير 12, 2011 2:36 am







    العلاقة والتأثير بين قيم الفرد والمنظمات
    في بناء أخلاقيات المهنة
    من منظور الفكر المعاصر والإسلامي




    د. إبراهيم فهد الغفيلي
    نائب المدير العام للمجموعة الإدارية
    بشركة الراجحي المصرفية للاستثمار
    ص ب 28 – الرياض 11411



    ورقة مقدمة إلى

    الملتقى الثالث لتطوير الموارد البشرية
    "استراتيجيات تنمية الموارد البشرية – الرؤى والتحديات"


    14 – 15 شعبان 1422 الموافق 30 –31 أكتوبر 2001

    الفهرست

    رقم الصفحة الموضوع
    1 المقدمة
    3 - 7 المحور الأول : العلاقة بين قيم الفرد والمنظمة من منظور الفكر المعاصر
    5
    6 تطابق وتنافر القيم بين الفرد والمنظمة
    تأثير القيم الأخلاقية على أداء الأفراد والمنظمات
    8 - 10 المحور الثاني : القيم الأخلاقية للفرد والمنظمة من منظور الفكر الإسلامي
    8
    10 الأخلاق في القرآن والسنة
    تعريف الأخلاق عند المفكرين المسلمين
    11-21 المحور الثالث : أخلاقيات المهنة من منظور الفكر الإسلامي
    12 تصنيف القيم الأخلاقية
    12 - 14 المجموعة الأولى : القيم الأخلاقية للمسلم
    12 • التقوي
    13 • الأمانة
    13 • الصدق
    13 • البشاشة وحسن التعامل
    14 • الرقابة الذاتية
    14 – 17 المجموعة الثانية : القيم الأخلاقية لجميع أصحاب المهن
    15 • العمل عبادة
    15 • العمل مقياس للتفاضل
    16 • الاخلاص والاتقان في العمل
    17 • احترام وقت العمل
    18 – 21 المجموعة الثالثة : القيم الأخلاقية الخاصة بفئات المهن (القيادات الإدارية)
    18 • القدوة الحسنة
    19 • اقامة العدل والمساواة بين المرءوسين
    20 • الشورى والتفويض


    بسم الله الرحمن الرحيم
    العلاقة والتأثير بين قيم الفرد والمنظمات
    في بناء أخلاقيات المهنة
    من منظور الفكر المعاصر والإسلامي

    مقدمة :
    يقوم المنهج الإسلامي العظيم على تقويم السلوك البشري وتهذيبه وتوجيهه بما يحقق المصلحة الفردية والجماعية وذلك لأن الإنسان بطبعه خلق ضعيفاً هلوعاً ، وقد كان النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم أعظم الناس خلقاً وأحسنهم سلوكاً ، وقد وصفه المولى عز وجل بقوله "وإنك لعلى خلق عظيم" ( القلم : 4) .
    والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم جعل من الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة طريقاً فسيحاً لدعوته ، فقال "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ، كما أن الله جل وعلا جعل تغيير أحـــوال الأمم رهيناً بتغيير أخلاقها وسـلوكها كما في قوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد : 11) .
    وإذا كان هناك عدد من الصفات الأخلاقية التي ينبغي على الفرد المسلم التحلي بها في التعامل مع الآخرين فإن الالتزام بهذه الصفات في مجال العمل يكون أوجب وأهم ، ذلك لأن المهنة هي محـور علاقة مباشرة بين الفـرد ومن حوله ممن يتعاملـون معه من الزملاء و الرؤســـاء والمرءوسين والمستفيدين من عمله من محتاجين وعملاء .
    وتؤدي القيم الفاضلة التي يعتنقها الفرد المسلم المستمدة من عقيدة التوحيد ومبادئ الشريعة دوراً أساسياً في التأثير على سلوكه ونشاطاته بل وممارساته اليومية ، ومن هذا المنطلق فإن قيمنا هي أهم ما يميز شخصياتنا ، فهي تؤثر على سلوكنا والأشخاص الذين نثق بهم والرغبات التي نلبيها ، وكذلك الطريقة التي نستثمر بها أوقاتنا وجهودنا ، وعلى جميع مظاهر حياتنا ، بل إن قيمنا هي التي توجهنا للطريق القويم في الأوقات الحرجة حين تتفرق بنا السبل وتتقاذفنا الضغوط وأمواج الحياة .
    والقيم تعبر عن المعتقدات الأساسية للفرد ، وهي التي تحدد له ما يجب أن يفعله أولا يفعله ، وما هو صحيح أو خطأ أو حق و باطل أو اختصاراً هي التي توجه أخلاقنا وسلوكنا في التعامل مع الأشياء أو مع الآخرين من حولنا .
    وإن لمظاهر السلوك الإنساني الذي يسلكه الفرد وهو يؤدي مهنته التي يزاولها علاقة وطيدة بين قيمه التي يعتنقها من جهة وبين قيم المنظمة التي يعمل فيها ويطبق فلسفتها من جهة أخرى ، وبين قيم المجتمع الذي يعيش فيه كل من الفرد والمنظمة من جهة ثالثة .
    وقد تصدى مجموعة من العلماء والباحثين في شتى الحقول العلمية والمعرفية في علم النفس والاجتماع وعلم الأجناس البشرية والإدارة إلى قضية القيم ومحاولة فهمها لتفسير السلوك الإنساني وما يصدر عنه من ممارسات صحيحة أو خاطئة نتيجة للقيم أو الموروثات التي يحملها الفرد ويؤمن بها.
    وفي هذه الدراسة سنتعرض بإيجاز للعلاقة بين قيم الفرد والمنظمات وتأثيرها في بناء أخلاقيات المهنة من منظور الفكر المعاصر والإسلامي ، وتنقسم هذه الدراسة إلى محورين رئيسين نجملهما فيما يلي :
    أولاً : العلاقة بين قيم الفرد والمنظمة وتأثيرها على الأداء من منظور الفكر المعاصر
    ثانياً : القيم الأخلاقية للفرد والمنظمة من منظور الفكر الإسلامي .
    ثالثاً : أخلاقيات المهنة من منظور الفكر الإسلامي
    محاولين أن نكشف عن ثلاثة أنواع من القيم الأخلاقية وأولها القيم الأخلاقية التي يجب أن يتحلى بها كل مسلم ثم نوضح مجموعة القيم الأخلاقية المرتبطة بالعمل والتي يجب أن يحرص عليها جميع أصحاب المهن بصرف النظر عن نوع المهنة ، وأخيراً نوضح أن لكل مهنة مجموعة من القيم الأخلاقية الخاصة بأصحاب هذه المهنة وتأخذ طابع الخصوصية والأهمية ونستعرض على سبيل المثال القيم الأخلاقية للقيادات الإدارية كمثال على القيم الأخلاقية الخاصة .

    المحور الأول
    العلاقة بين قيم الفرد والمنظمة وتأثيرها على الأداء من منظور الفكر المعاصر

    يمكن اعتبار عقد السبعينات من القرن الماضي فترة الاهتمام بأخلاقيات العمل (المهنة) وقد تزايد اهتمام الدارسين الأكاديميين واهتمام الحكومات في الدول الغربية في هذه المسألة اهتماماً كبيراً ، ومن الناحية التاريخية فإن الاهتمام الشعبي بسلوك الموظفين الحكوميين وقضاياهم كان موجوداً دائماً في مختلف الدول الغربية ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية حتى إن بعض الحكومات عكفت على وضع التشريعات الجديدة التي تضبط أخلاقيات العمل الحكومي . ( )
    وترجع بداية الاهتمام بالأخلاقيات إلى الثلث الأخير من القرن العشرين حين بدأ يظهر بقـوة على السطح ما يسمى بأخلاق القيم عند أصحاب فلسفة القيــم من أمثال ماكس شيلر (1874 – 1951م) ورينيه لوسن (1880 – 1954م) ولوى لافل (1887 – 1951م) ، ويرى هؤلاء أن القيمة وهي موضوع الميول والرغبات والتقديرات تؤلف ميداناً مستقلاً تماماً عن ميدان الوجود وتؤسس أحكاماً خاصة تتعلق بالتقدير مردها إلى الانفعال ولا ترجع إلى العقل،وهي في جوهرها خلق ومثل أعلى . ( )
    وتتمثل قيم المنظمة في الفكر الغربي فيما يسمى بالثقافة التنظيمية ، وهو مفهوم لم يجد طريقه في الدراسات التنظيمية بصورة واضحة ومميزة إلا في نهاية السبعينات من القرن الماضي ، وعلى رأس الباحثين الذين تناولوا هذا المفهوم "جامست " الذي تتبع موضوع الثقافة التنظيمية والتي هي تعبير عن قيم الأفراد ذوي النفوذ داخل المنظمات والتي تؤثر بدورها في الجوانب الملموسة من المنظمة وفي سلوك الأفراد ، كما تحدد الأسلوب الذي ينتهجه هؤلاء الأفراد في قراراتهم وإدارتهم لمرءوسيهم ومنظماتهم . ( )
    ويربط ماكس شيلر (1874 – 1928م) بين الأخلاق والقيم ، ويرى أن القيمة الأخلاقية مرتبطة بسلم القيم فالفعل يكون خيراً إذا حقق قيمة إيجابية ، وإذا حقق قيمة عليا ويكون شريراً إذا حقق قيمة سلبية أو قيمة دنيا والقيمة توجد في ذاتها حتى لو لم تتحقق في العالم المحسو س ) ( ، وبذلك يعتبر شيلر أن الأخلاق هي تطبيق للقيم على الطبيعة فمن كانت قيمه عالية سامقة فإن سلوكه المترتب عليها يعبر عن أخلاق مميزة والعكس كذلك صحيح .
    وهذه القيم قد تكون فردية أو مهنية ، وقد تكون عامة كقيم المنظمة والمجتمع ، وكلها تكون ذات علاقة تبادلية بحيث يؤثر كل منها على الآخر كما أوضحها دارن شميدت وباري بونز في دراستهما على النحو التالي : ( )








    شكل رقم (1) : العلاقة التبادلية بين القيم
    ويلاحظ أن قيم المجتمع ذات تأثير مباشر على قيم الفرد والمنظمة ، إلا أن القيم المشتركة بين المنظمة والأفراد تعتبر ذات مصدر أساسي لفاعلية الفرد والمنظمة على حد سواء .
    وقد بين جوليان فيليب وآلان كنيدي أنه عندما تكون توجيهات وقرارات أول رجل قيادي في المنظمة منسجمة ومتسقة مع القيم السائدة في منظمته سوف يلتزم جميع الموظفين بهذه القيم ، ولكن عندما يتصرف هذا القيادي بما يخالف هذه القيم السائدة فيصبح الموظفون في حالة من التناقض والإرباك وتتلاشى القيم المشتركة بينهم . ( )
    ويمكن التعبير عن هذه الفكرة من خلال النموذجين التاليين :
    النموذج الأول : التطابق بين قيم الأفراد وقيم المنظمة



    النموذج الثاني : التنافر بين قيم الأفراد وقيم المنظمة



    شكل رقم (2) : التطابق والتنافر في القيم
    وهذا يعني أنه كلما ازدادت المساحة المشتركة بين قيم المنظمة وقيم الأفراد ، كلما كان ذلك أدعى لتطابق القيم بينهما وأدعي إلى المزيد من الولاء والنجاح والعمل على تحقيق الأهداف الكلية التي تدفعها قيمة مشتركة والعكس كذلك صحيح .
    وقد بين شميدت وبوزنر أن الاختلاف في قيم الأفراد والمنظمات التي يعملون فيها يؤدي إلى تصادمات في المنظمة ، إلا أن بعض هذه التصادمات من الممكن معالجته بفاعلية إذا تفهم الأفراد قيم منظماتهم وتجاوبوا معها . ( )
    وقيم المنظمة هي عبارة عن ثقافتها التي تتجسد في طبيعتها المادية والفنية والتنظيمية والجوانب التي تتصل بالموارد البشرية وتتمثل هذه القيم فيما يلي : ( )
    1. تحقيق الأهداف : إن قيم أي منظمة إنتاجية كانت أو خدمية هي مجموع رؤى مؤسسيها ورسالتهم وأهدافهم الفردية وأهداف المنظمة ،فالقيم الأساسية لأي منظمة هي تحقيق أهداف مؤسسيها.
    2. الاستقرار : حيث إن المنظمة تعمل على الموازنة بين العوائد الكبيرة للمنظمة وبين استقرارها وعدم تعرضها للمخاطر الشديدة .
    3. النمو : إن المنظمات الملتزمة بالنمو أكثر ميلاً إلى إعطاء قيمة أكبر للإبداع والمخاطرة والربح القليل والقدرة العالية على الإنتاج .
    4. الاستقلالية : إن من طبيعة المنظمة إعطاء الاستقلالية قيمة ووزناً ، وتسعى المنظمة إلى تدعيم استقلالها وتقرير مصيرها .
    5. السلطة : تعطي كل المنظمات قيمة للسلطة وتخصص لها مكاناً في هيكلها التنظيمي.
    6. التعاون : وللتعاون الإرادي للفرد قيمة كبيرة في كل المنظمات ، والتعاون الفردي دليل واضح على الإلتزام بالوظيفة والمنظمة .

    تأثير القيم الأخلاقية على أداء الأفراد و المنظمات :
    لا شك أن للقيم دوراً بارزاً في تشكيل وتجسيد ثقافة المنظمة ، كما أن لهذه القيم تأثيراً ملموساً على أداء الأفراد سواء كانت هذه القيم من موروثات الأفراد أنفسهم أو منظماتهم ، ولكن مما لاشك فيه أيضاً أن قيم المنظمة تؤثر تأثيراً كبيراً على مخرجات الأعمال التي يقوم بها الأفراد داخل المنظمة بما يؤثر سلباً أو إيجاباً على قيمهم الذاتية .
    وقد أوضح مندل وجوردان بأن قائمة القيم الإدارية تستعمل بوجه عام كأداة فهم أعمق بين المدير وموظفيه فيما يتعلق بالأساس المنطقي للعمل وفق أسلوب معين ، ويمكن استخدام قائمة القيم الإدارية كأداة لحل المشكلات حيث تمكن المديرين والموظفين على التركيز على أوجه الاختلاف والتشابه في قيمهم ، فتمكن المدير من تغيير أسلوبه الإداري بما يتلاءم مع قيم الموظفين وذلك لتحسين أدائهم .( )
    إن أداء الفرد يكون منسجماً ومتسقاً مع قيمه ، فعلى سبيل المثال فإن الأفراد الذين يحملون قيم الاستقلالية في العمل سيعملون على نحو يحقق تلك الاستقلالية ، وإذا عجز الموظفون عن تحقيق الحافز المادي ذي القيمة لديهم وذلك من خلال العمل ، فإن نوعية الأداء سوف تنخفض ، وحين تكون قيم الموظف شبيهه بقيم الموظفين الآخرين في نفس مجموعة العمل فإن ذلك يدفعه للتفاعل معهم في عدة طرق إيجابية ، وبالتالي سوف يرتفع ويتحسن أداؤه لعمله ، وفي المقابل فإن الموظف الذي يرى أنه على خلاف في القيم مع مجموعته يتصرف بنحو مختلف ودائماً يؤدي هذا الشعور بالاختلاف إلى الصراع ، وحين يقع الصراع يقل الانجذاب نحو المجموعة ويتوقف ، وبالتالي يتدنى ويسوء الأداء . ( )
    ويوضح شميدت وبوزنر بأن على المنظمات أن توضح قيمها للعاملين فيها وخاصة العاملين في المستوى التنفيذي ، حيث العمل اليومي الذي يؤدى وذكر بأن المشاكل المرتبطة بتدني الإنتاجية هي نتيجة لضعف الاتصالات من توضيح قيم المنظمة بين الإدارة والموظفين والعمال الذين يقومون بأداء الأعمال التنفيذية . ( )


    المحور الثاني
    القيم الأخلاقية للفرد والمنظمة من منظور الفكر الإسلامي

    الإسـلام هو دين الأخلاق الفاضلة والسمو بالإنسان من نفق الرذائل المظلم إلى نور الإيمان والفضائل ، ولقد عمل الإسلام على ضبط الغرائز وتركيزها وترويضها وتنظيمها في قواعده وأصوله الكلية كأساس لتهذيب سلوك النفس البشرية في عبادتها لله عز وجل وفي تعاملها مع الناس أفراداً وجماعات ويتجلى ذلك في قول الله تعالى ( ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها ) . (الشمس : 7 - 10)
    والأخلاق في الإسلام ليست تعبيراً خيالياً وإنما هي منهج واقعي يستمد قيمه من صميم واقع الإنسان بحسبانه أحد أفراد المجتمع ، وهي تظهر في مستويين فردي واجتماعي ، وهي تؤكد حرية الإنسان وإرادته في الاختيار وتحمل المسئولية ، فالفرد مسئول عن عمله واع لشخصيته محقق للنفع العام لمجتمعه بأسره . ( )
    وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، وفي هذا معنى تعميمها على الفرد وعلى المجتمع حاكماً ومحكوماً مديراً وموظفاً ، وهي تعبر عن منهج متجانس يقوم على التوازن والتكامل بين الفرد والجماعة فيكون الإنسان فردياً في الفكر واجتماعياً في العمل .
    وقد أقر القرآن الكريم مفهوم الأخلاق في جانبين متكاملين ، المعرفة والسلوك ، فالمعرفة هي الناحية النظرية ، وقد أورد القرآن منها 763 آية ، والسلوك هو الناحية العملية ، وقد أورد فيها 741 آية ، وبذلك تكون جملة الآيات التي رسمت منهج الأخلاق في القرآن 1504 آية ، وبالتالي فهي تمثل ما يقارب ربع آيات القرآن . ( )
    وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً على حسن الخلق وكان يستعيذ من سوء الخلق ، وقد وردت أحاديث كثيرة تحث المسلمين على التحلي بالأخلاق الفاضلة ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول (إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً) ( ) ، وفي رواية (إن من أحبكم إليُ أحسنكم أخلاقاً) ( ) .
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه جابر رضي الله عنه (إن من أحبكم إليُ وأقربكم منيُ مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً) ( ) .
    وأخرج الأمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ألا أنبئكم بخياركم ، قالوا بلى يا رسول الله قال خياركم أطولكم أعماراً وأحسنكم أخلاقاً) . ( )
    وقد رسم الإسلام للأخلاق منهجاً واسعاً مرناً ميسر التطبيق في مختلف العصور والبيئات وجعل إطار القيم الأخلاقية واسعاً رحباً يحقق الحرية الشخصية ويتقبل الجهود الفردية ، ومع ذلك فقد أقام كثيراً من الضوابط التي تقف حاجزاً منيعاً ضد الظلم والشر والفوضى وجعل الإسلام من شعائر العبادات قوة دافعة ذاتية لتنمية الخلق الفاضل وحراسته من نوازع وضعف النفس البشرية .
    ويعد الإمام على بن أبي طالب أول من صاغ المفهوم القرآني عن الأخلاق في نظرية شاملة ، وأهم مفاهيم الأخلاق عنده التوافق التام بين عقيدة المرء وقوله وفعله ، وعنده أن العقيدة هي الأساس الذي يستند إليه المرء في قوله وعمله ، فإذا سلمت من الناحية الأخلاقية سلمت الأقوال والأفعال ، ويرى ضرورة الانسجام بين العقيدة والسلوك ، ومن حكمه الأخلاقية قوله ما أصعب اكتساب الفضائل ، وما أيسر إتلافها ، وما أصعب على من استعبدته الشهوات أن يكون فاضلاً ، ويقول أحذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويكرهه لعامة الناس . ( )
    تعريف الأخلاق عند المفكرين المسلمين :
    يقول الإمام أبو الحسن الماوردي : " إن الأخلاق غرائز كامنة تظهر بالاختيار ، وتقهر بالاضطرار، وللنفس أخلاق تحدث منها بالطبع ، ولها أفعال تصدر عنها بالإرادة ، فهما حزبان لا تنفك النفس منهما ، أخلاق الذات وأفعال الإرادة . فأما أخلاق الذات فهي من نفائج الفطرة ، وسميت أخلاقاً لأنها تصير كالخلقة والإنسان مطبوع على أخلاق قـل ما حمـد جميعها أو ذم سائرها ، وإنما الغالب أن بعضها محمود وبعضها مذموم . ( )
    ويرى الإمام على رضي الله عنه أن الأخلاق هي الوسط بين طرفين اليمين والشمال كلتاهما مضلـة ، والطريـق الوسطى هي الجادة عليها يقوم الكتاب وآثار النبوة . ( )
    وتنقسم الأخلاق إلي نوعين رئيسين هما الأخلاق الفاضلة والأخلاق السيئة ، وقد أشار إليهما النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأخلاق الجامع الذي أخرجه الإمام أحمد من حديث رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (حسن الخلق نماء وسوء الخلق شؤم ، والبر زيادة في العمر والصدقة تمنع ميتة السوء) . ( )
    وبناء على ذلك فقد سمى العلماء الأخلاق الفاضلة بالفضائل والأخلاق السيئة بالرذائل ، وقال الشاعر :
    وما هــذه الأخلاق إلا طبائع
    فمنهن محمــود ومنها مذمم

    وقال الماوردي :" إن الأخلاق نوعين ، غريزية طِبع عليها الإنسان ومكتسبة تطبع لها ، وقال بعض الحكماء إن قواعد الأخلاق الفاضلة أربع يتفرع عنها ما سواها من الفضائل ، وهي العقل والنجدة والعفة والعدل ، وعرف الفضائل بأنها توسط محمود بين رذيلتين مذمومتين من نقصان يكون تقصيراً أو زيادة تكون سرفاً ، فالعقل واسطة بين الدهاء والغباء ، والحكمة واسط بين الشر والجهالة ، والسخاء واسطة بين التقتير والتبذير والشجاعة واسطة بين الجبن والتهور ، والعفة واسطة بين الشره وضعف الشهوات ، والتواضع واسطة بين الكبر ودناءة النفس " . ( )
    المحور الثالث
    أخلاقيات المهنة من منظور الفكر الإسلامي
    توج الإسلام العلاقة الإنسانية بين الفرد والجماعة برباط متين وعمل على تربية الفرد المسلم والجماعة المسلمة والقيادة المسلمة والمجتمع المسلم كل حسب واجباته ونشاطه إلى أن تسود النظرة التعاونية والشمولية فتتحقق مصالح وأهداف الفرد والجماعة والمنظمة والمجتمع في ظل التعاون والتراحم والتكامل والتكافل وذلك بخلاف ما يحدث في المجتمعات الغربية من تصارع وتنافر بين الفرد والمنظمة والفرد والمجتمع والحاكم والمحكوم والعمال والإدارة ومنظمات ونقابات العمال والمهنيين ومنظمات الأعمال والمصانع والنساء والرجال والسود والبيض ... الخ . ( )
    ولقد حصن الإسلام الوظيفة العامة من الفساد بإرساء قاعدتي القوة والأمانة حيث ورد في القرآن الكريم (إن خير من استأجرت القوى الأمين) (القصص :26) فقصر إسناد الوظائف إلى من تتوفر فيه القوة وهي الإحاطة الشاملة بمهارات ومتطلبات أداء الوظيفة العامة والأمانة والخشية والخوف من الله وأداء الشعائر التعبدية بحيث تطمئن لأمانة الموظف العام لأداء مصالح الرعية المرتبطة بالوظيفة التي يشغلها . ( )
    وتظهر المشكلة الأخلاقية في الوظيفة العامة حين يقدم الموظف مصالحه الخاصة على المصالح العامة أو عندما يستغل الموظف وظيفته لتحقيق مصالح شخصية ذلك لأن كل ذلك يؤدي إلى فقدان أو ضياع ثقة الجمهور بأجهزة الخدمة المدنية ( ) ، وهنا تبدو أهمية تعميق الإسلام لمفهوم الأمانة .
    ويقصد بأخلاقيات المهنة الأحكام القيمية التي تتعلق بالأفعال الإنسانية من ناحية أنها خير أو شر ، والسلوك الأخلاقي هو السلوك الذي عمل به المجتمع وأقره ويتكون هذا السلوك من مجموعة من القواعد التي تبين للأفراد كيف يتصرفون في الحالات والمواقف التي تعرض لهم دون أن يخالفوا في ذلك العرف السائد في مجتمعهم . ( )
    والمهنة كعمل تتطلب من العاملين فيها سلوكاً لابد أن يكون موافقاً للقواعد الأخلاقية المتفق عليها في المهنة تحددها غالباً اللوائح والقوانين المنظمة لمزاولة المهنة ، وتكون مستمدة من الأخلاق والمبادئ الإسلامية الفاضلة التي أرسى قواعدها الإسلام في القرآن الكريم والسنة المطهرة وفي أقوال الحكماء من علماء المسلمين وفقهائهم .
    تصنيف القيم الأخلاقية : -
    يمكن تصنيف القيم الأخلاقية المهنية إلى ثلاث مجموعات رئيسة :
    أولاً : مجموعة القيم الأخلاقية التي ينبغي أن يتحلى بها العامل المسلم بغض النظر عن المهنة التي يزاولها بحسبانها صفات أخلاقية عامة مرتبطة بالفرد أينما كان موقعه في العمل وتعمل هذه القيم الأخلاقية على تحسين بيئة التعامل بين الناس وتسمو بهم إلى الحياة الطيبة التي ذكرها الله تعالى بقوله (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ( النحل : 97 ) ومن أهم هذه القيم الأخلاقية ما يلي :
    1/ التقوى :-
    وتقوى الله عز وجل أعظم وأنفع وأجل القيم على الإطلاق وهي مفتاح سعادة المسلم في الدنيا والآخرة وقد ربطها النبي صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( أتدرون أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق) .( )

    2/ الأمانة :-
    وهي مفتاح الإيمان إذ لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له كما ورد في الحديث الذي أخرجه أحمد من حديث أنس بن مالك ( )
    وقال على بن أبي طالب رضي الله عنه أداء الأمانة مفتاح الرزق وفي هذا ربط عميق بين أداء الأمانة وأخلاق المهنة وقال الشاعر :

    إذا أنت حملت الخؤون أمـانة
    فإنك قد أسـندتها شر مسند
    3/ الصدق :-
    وأرفـع درجاته أن يصـدق المرء مع ربـه كما قال تعــالى : (فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم ) ( محمد : 21 ) ويليه الصدق مع الناس كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ) . ( )
    4/ : البشاشة وحسن التعامل مع الآخرين :-
    والبشاشة هي أول الطـريق لإرضاء الآخرين وإدخال السـرور في نفوسهم وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في هذا الجانب منها قوله : (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة) ( ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تحقرن من المعروف
    شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) ( )
    وهذا الحديث يدل على أن أدنى المعروف هو البشاشة والابتسامة فإذا فقدت فهذا يعني أن الإنسان قد ترك المعروف وقال على بن أبي طالب رضي الله عنه البشاشة حبالة المودة وقديما قال الشاعر :

    وما اكتسب المحامد طالبــوها
    بمثل البشـر والوجه الطليق

    وقال بعض الحكماء : الوجه البشوش شمس ثانية .
    5/ الرقابة الذاتية :
    أرسى الإسلام أهم نوع من أنواع الرقابة وهي الرقابة الذاتية التي تعتمد على يقظة الضمير وصحوته وربط ذلك الضمير الحي بخالقه في السر والعلن حيث ورد في الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الإحسان قال : لأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . وهذا النوع من الرقابة الوقائية التي تحول دون وقوع الخلل والانحراف هي أسمى وأمثل نوع من أنواع الرقابة وهي صمام الأمان ضد الفسـاد والحيلولة دون وقوعه .
    والمتتبع لحركة التطوير الإداري في المنظمات الإدارية الغربية يلاحظ أنها نجحت في إحداث نقلة نوعية وكمية في مستوى الإنتاج من خلال تنمية المهارات الإنتاجية للعاملين وإدخال الأساليب والمعدات التكنولوجية الحديثة لكن هذه المنظمات لا تزال عاجزة عن مكافحة الفساد الإداري ولذلك فلا تستطيع الأجهزة الرقابية الداخلية أو الخارجية اكتشافه أو ضبطه لأن ذلك يتعلق بضمائر العاملين حين يقبلون الرشوة ويمارسون المحسوبية ويسيئون إلى جهود الخدمة ويستقلون الوظيفة العامة والمال العام . ولذلك فإن التشريع الإسلامي قد أهتم بهذا الجانب من السلوك الإنساني حيث أعتبر مراقبة الله في السر والعلن هي أعلى درجات الإيمان وهي الإحسان .
    ثانياً : مجموعة القيم الأخلاقية التي ترتبط بالمهنة أياً كان نوعها أو درجتها أو شاغلوها : بحكم أنها قيم أخلاقية مستمدة من العمل الصالح كفريضة إسلامية ، وهذه القيم الأخلاقية لا تختص بمهنة دون أخرى ، وقد وضع الإسلام منهجاً وقائياً مليئاً بالقيم والضوابط الحازمة لوقاية الفرد من الإنزلاق في الفساد لحماية مصالح الفرد والمنظمة والمجتمع ، وقد شرع الإسلام مجموعة من القيم الأخلاقية والضوابط الشرعية لحماية عنصر العمل ليكون عنصـراً منتجاَ ومحصناً من الفســاد ، وتتمثل هذه القيـم الأخلاقية فيما يلي:
    1/ العمل عبادة :
    العمل فريضة تعبدية مطالب المسلم بأدائها حيث يقول الله سبحانه وتعالى (وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) ( التوبة : 105) ، فالمسلم في أي موقع عمل شريف يؤدي عملاً يكتسب منه رزقه سواء كان هذا العمل فكرياً أو حرفياً إنما هو يعبد الله في هذا الموقع الذي يعمل فيه ، وفي السيرة النبوية كثير من الشواهد التي تدل على أهمية العمل في الإسلام ، ومن هذه الشواهد جاء رهط للرسول صلى الله عليه وسلم يخبرونه أن أحد أصحابهم يصلي الليل ويصوم النهار ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم (أيكم يكفيه طعامه وشرابه ؟ فقالوا كلنا يا رسول الله قال (ص) كلكم أعبد منه) .
    فالإسلام حض على العمل والإنتاج وعمارة الأرض وطلب الرزق في هذه الحياة ، ولم يدعو إلى الانعزالية والانقطاع عن الدنيا ، وإنما أمر أن يملأ الإنسان المسلم يده من الدنيا ويملأ قلبه من الإيمان والآخرة حتى لا تسيطر عليه مادية ومتاع الدنيا ، والعمل دليل إيمان المؤمن ، فليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ، ولقد اقترن العـــمل بالإيمان في كثير من الآيات في القرآن الكريم (وعـــد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما أستخلف الذين من قبلهم) (النور : 55) .
    2- العمل مقياس للتفاضل في الإسلام :
    لقد أرسى الإسـلام ميزان العمل للمفاضلة بين الناس وألغى الموازين الأرضية التي تعتمد على النسـب والثروة والـجاه في تفاضل الناس وإنما جعـل الناس سواسـية يتفاضلون بالعمل (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى) ( ). فقيمة ومنزلة المسلم في المجتمع الإسلامي بعمله الذي يبذله لا بحسبه ونسبه الذي يدعيه ، يقول الرسول (ص) (ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) ويقول لأبنته فاطمة (لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم والله لا أغني عنكم من الله شيئا) فإذا كان ذلك بالنسبة للنسب الشريف العظيم فأي نسب بعده يدعي الأفضلية . والإسلام هو أول النظم التي أرست قواعد ومعايير الجدارة والكفاءة في العمل وسبق الأنظمة الغربية بأربعة عشر قرناً من الزمن ، وهي لا زالت ساعية في تطبيق معايير الجدارة في العمل ولم تستطع أن تطبقها كما طبقها الإسلام وورد في القرآن الكريم (إن خير من استأجرت القوي الأمين) (القصص : 26) ، وما أدل على حرص الإسلام على المفاضلة بين الناس على أساس جدارتهم وكفاءتهم حديث الرسول (ص) (لا يشم رائحة الجنة ، قيل من يا رسول الله ، قال من ولى رجلاً وهو يعلم أن في الناس خيراً منه) ويحذر الإسلام من إتباع معايير المحسوبية والقرابة في التعيين والمفاضلة بين الناس حيث قال عمر بن الخطاب (من ولى رجلاً لمودة أو قرابة فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين) فأين واقع منظماتنا وسلوك مدرائها وموظفيها من هذه القيم العظيمة .
    3- الإخلاص والإتقان في العمل :
    حرص الإسلام على تحصين العمل من الفساد مثل الرياء والنفاق وغيره بأن جعل أساس الأعمال النية ، وأن تكون مخلصة لله سبحانه وتعالى كما ورد في الحديث (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ، وإنما يتجه المسلم في عمله مخلصاً لله ومبتقياً مرضاته ، فهو بذلك يصون المصلحة العامة للجماعة والمجتمع فيحمي عمله من جو الفساد والانحراف نحو إرضاء مصلحته الذاتية أو استغلاله لعمله في تحقيق مصالحه الفردية على حساب المصلحة العامة .

    ولقد حث الإسلام في تعاليمه المسلم على إتقان عمله والإبداع فيه وليس تأديته في حده الأدنى وإنما على المسلم أن يسعى لارتقاء درجات الإتقان والإبداع في عمله ، وعلى الفرد أن يفجر طاقته وملكاته ومهاراته في أداء وإتقان وتطوير عمله ، لأن ذلك مدعاة لمحبة الله ومرضاته حيث ورد في حديث الرسول (ص) (إن الله يجب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) ويقول الله سبحانه وتعالى (إنما جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) (الكهف :7) ، ومما رواه ابن هذيل من الحكم المأثورة عن السلف الصالح في كتابه (عين الأدب والسياسة) (لا تطلب سرعة العمل وأطلب تجويده فإن الناس لا يسألون في كم فرغ منه .. وإنما يسألون عن جودة صنيعته) . ( )

    والخبرة في العمل مهمة جداً لأنها مفتاح الاتقان فيه وقد وصف الله عز وجل نفسه بأنه حكيم خبير وعليم خبير في مواطن كثيرة من كتابه الكريم ، وفي المثل العربي يقال أسأل مجرباً ولا تسأل حكيماً ، ويقال التجربة خير برهان كما يقال ليس الخبر كالمعاينة وقال أحد الشعراء
    يا باري القـوس برياً ليس يحسنه
    لا تظلم القوس إعط القوس باريها


    4- احترام وقت العمل :
    لقد أعطى الإسلام أهمية قصوى للوقت وحث المسلم على حسن استغلال الوقت في العبادة والعمل الصالح للدنيا والآخرة ولذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى ربط جميع العبادات الأساسية من صلاة وصيام وزكاة وحج بمواقيت محددة وأمر الناس بأدائها في مواقيتها . وهذا سبب رئيس في تنظيم الناس لأوقاتهم وقد كان النبي الكريم وصحابته يستثمرون جميع أوقاتهم فيما يفيدهم ماديا وجسديا وروحيا ، وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال ( ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي ) ( ).
    ولقد أوجب الإسلام على الفرد المسلم الالتزام بأداء العمل في الوقت المحدد لأن ذلك من تمام إتقانه ولذلك فينبغي على العامل المسلم أن يحرص على مواعيد العمل فلا يأتي للعمل متأخراً ولا يخرج مبكراً لأنه إنما يتقاضى أجره على عمله بمواعيده المحددة
    ثالثاً : مجموعة القيم الأخلاقية التي ترتبط ببعض المهن دون بعض :
    وهذا معناه أن بعض المهن تحتاج إلى تركيز بعض القيم الأخلاقية حتى يتحلى بها أصحابها وفقاً لطبيعة الوظيفة المهنية التي يشغلونها ، فالعاطفة الإنسانية مثلاً ،صفة أخلاقية مهمة ولكنها تكون في مهنة الطب أكثر حاجة من بعض المهن الأخرى وقد لا تكون مطلوبة أبداً في بعض المهن كالمهن الصناعية مثلاً لأن صاحبها يتعامل مع مدخلات مادية والعدل مثلاً يكون صفة أخلاقية أساسية وحساسة في بعض المهن كالحكم والقضاء والإدارة وكذلك القدوة الحسنة تكون أعظم وأبلغ عند الأداء والقضاة والمعلمين والقياديين أكثر من غيرهم ويكون الورع أعظم وأبلغ عند الأئمة والقضاة والعلماء ولكن كل ذلك لا يعفي سائر الموظفين وأصحاب المهن من التحلي بها متى وجد إلى ذلك سبيل .
    ومن هذه القيم الأخلاقية فقد آثرنا أن نركز على القيم الأخلاقية المرتبطة بالقيادات الإدارية بحسبان أنها تخاطب قطاعاً عريضاً من المسئولين في القطاعين الخاص والعام والذين يملكون القدرة على إحداث التغيير في منظماتهم وإداراتهم وهم قدوة لمرؤسيهم وموظفيهم ولدورهم الحيوي والهام يعول عليهم الارتقاء بمنظماتهم وانتاجها وجودة خدماتها للارتقاء من المستوى الاقتصادي والاجتماعي لمجتماعتنا الإسلامية . وفيما يلي نستعرض القيم الأخلاقية الإسلامية التي يجب أن يتطبع ويتحلى بها القيادات الإدارية في المجتمعات الإسلامية لإحداث التغيير الفاعل في بيئات مؤسساتهم ومنظماتهم.

    (1) القدوة الحسنة :
    إن القائد الإداري باعتباره المرجع الأول والأهم لجميع الموظفين ينبغي عليه أن يكون المثل الأعلى لمرؤسيه في الكفاءة الوظيفية والمقدرة الإنتاجية والسلوك القويم والخلق الكريم والتزامه بواجباته واحترامه للوقت فلا يضيع فيما لا يفيد العمل كما أنه عليه أن يبرز ولاء كبيراً لمؤسسته وأن يزرع حب العمل والانتماء في نفوس مرؤسيه وذلك انطلاقا من قول الله عز وجل ( ولكم في رسول الله أسوة حسنة ) . وقد كان عمر رضي الله عنه يقول لولاته : ( ألا وإني لم أبعثكم أمراء ولا جبارين ولكن بعثتكم أئمة يهتدي بهم ) ( ) .
    كما أن العاملين قد يتأثرون بما يلقيه عليهم رؤسائهم من تعاليم وقرارات وتستحوذ على مشاعرهم بلاغتهم وحماسهم ولكن سرعان ما تتخذ هذه التعاليم وتلك القرارات مادة للسخرية إذا تبين أن أقوالهم لا تطابق أفعالهم .
    فالفرد يتأثر سلباً وإيجابا بمن يتخذه قدوة له ولا تنعكس سلوكياته في المجتمع الذي يعيش فيه إلا من خلال ما يكتسبه من القدوة التي يتأثر بها ويؤثر في غيره عن طريقها ، ولذلك تظهر أهمية اتخاذ الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة لنا في صفاته وخلقه وأفعاله وأقواله سواء كان ذلك في حياته العامة أو الخاصة ، وتعتبر قدوة الرسول صلى الله عليه وسلم هي المعين المتدفق والرحيق المتجدد الذي لا ينضب للارتقاء بقيم الفرد وخلقه وسلوكياته .
    وشخصية الرسول (ص) وخلقه وصحابته من بعده يجب أن يكونوا النموذج الذي يجعله القادة الإداريين المسلمين نصب أعينهم حتى يكتسبوا خلق الرسول (ص) وصحبه الأخلاق الفاضلة ليصبحوا قدوة لمرؤسيهم .
    (2) إقامة العدل والمساواة بين المرؤوسين :
    إن الله عز وجل جعل الناس سواسيه لا فرق بين عربيهم ولا أعجميهم إلا بالتقوى ، التقوى هي المعيار الأوحد للتفريق بين الناس وفيما سواها فهم سواسيه كأسنان المشط وقد أمرنا الله تعالى بالعدل والإحسان في آيات كثيرة منــها قـوله تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) "النحل : 90"
    ولذلك ينبغي على القائد الإداري المسلم أن يقيم العدل وأن يتولى النظر في مظالم مرءوسيه بنفسه وأن يتفقد أحوالهم وأن ينصف المظلوم من الظالم وأن ينزل الناس منازلهم فيقول للمحسن أحسنت ويقول للمسيء أسأت ولا يساوي بين المحسن والمسيء في الحوافز والعلاوات والترقيات بل يعطي كل ذي حق حقه كما قال عمر بن الخطاب لأبي موسى: ( بلغني أنك تأذن للناس جماً غفيراً ، فإذا جاءك كتابي هذا فأذن لأهل الشرف وأهل القرآن والتقوى والدين فإذا أخذوا مجالسهم فأذن للعامة ) ( )
    كما أن على المدير أن يخلص إدارته من مرض المحسوبية والفساد الإداري ودفعها نحو الاستقامة في العمل حسب قواعد الجدارة والاستحقاق وتكافؤ الفرص والارتفاع بالمنظمة الإدارية وفق أفضل أخلاقيات التعامل الإنساني والإداري .
    ولا شك أن شعور الموظف بعدالة الإدارة سيقوي مشاعره نحوها وينمي روح انتمائه لها مما يدفعه لبذل أقصى جهوده لرفع مستوى الإنتاج ومستوى الأداء .
    (3) الشورى والتفويض :
    إن القيادة الإسلامية قيادة شوريه تقوم على مبدأ قوله تعالى : (وشاورهم في الأمر) ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ، لذلك ينبغي على القائد الإداري المسلم أن يستشير معاونيه ومرؤوسيه كلما واجهه موقف يقتضي إتخاذ قرار جماعي بشأنه حيث يتحمل الجميع المسئولية تجاه ذلك الموقف ، مما يعني أن تعدد الآراء والأفكار يوصل الجميع إلى نقطة التقاء سليمة وقرار صائب . كما أن القائد الإداري المسلم ينبغي أن لا يمسك بيده كل خيوط العمل صغيرها وكبيرها فإن طاقة الإنسان وساعات عمله محدودة وجسده في حاجة إلى راحة وعقله يكل من كثرة التفكير وذاكرته لا تتمكن من كل شئ ، لهذا فلابد له أن يتخذ معاونين أكفاء يعهد إليهم ببعض صلاحياته ويترك لهم التصرف بعد أن يبين لهم الطريق كما قال الشاعر :
    إذا كنت في حاجة مرســلأ
    فأرسل حكيماً ولا توصه
    ولنا أن نتصور في نهاية هذا الموضوع العلاقة الرئيسة التي تربط وتحكم هذه الفئات الثلاث من القيم الأخلاقية على الوجه التالي

    نموذج القيم الأخلاقية للقيادات الإدارية من منظور إسلامي
    ومن هذا الشرح الموجز للقيم الأخلاقية للمهنة من منظور إسلامي نجدها مجموعات متداخلة ومتشابكة وتعمل جميعاً من أجل هدف واحد هو السمو بالمهنة إلى درجاتها الأعلى لتقديم خدمة أو منتج ذي قيمة كبيرة وجودة عالية للأفراد والمجتمع يتناسب وروح الشرع الحنيف ولا يمكن أن نفصل بين هذه القيم في الحياة العملية , إنما يجئ هذا التصنيف لأغراض الدراسة والتوضيح .
    وفي ختام هذه الكلمة يطيب لي أن أشكر القائمين على تنظيم الملتقى الثالث لتطوير الموارد البشرية على جهودهم الموفقة بإذن الله ، وتبنيهم لهذا العمل الكبير والذي أسأل الله أن يجعله في موازين حسناتهم وأن ينفع به جميع العاملين في القطاعين العام والخاص ، ويعزز لديهم حب وأداء العمل وفق القيم والمفاهيم الأخلاقية الإسلامية الفاضلة للنهوض من مؤسساتنا وإداراتنا لخدمة مجتمعنا على أفضل وجه .
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 38
    تاريخ التسجيل : 30/12/2010

    رد: العلاقة والتأثير بين قيم الفرد والمنظمات في بناء أخلاقيات المهنة من منظور الفكر المعاصر والإسلامي

    مُساهمة من طرف Admin في الخميس ديسمبر 15, 2011 1:22 am

    رائع يا دكتور ناصر موضوع أكثر من رائع


    _________________


      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين سبتمبر 25, 2017 5:10 am